بابا اشتريلي فرد! ..بقلم: الشيخ كامل ريان

بابا اشتريلي فرد!
هذا كان مطلب طفل صغير من والده، لا اعتقد انه تجاوز العامين او الثلاثة أعوام من عمره، وقت أن رفع الامام تكبيرة الإحرام لصلاة التراويح وكأنه يقول لوالده استجب لمطلبي كما أني استجبت لمطلبك بالمشاركة في صلاة التراويح في المسجد!!

استرقت سمعي هذه الهمسة الصارخة من ذلك الطفل الذي اتسمت البراءة بحركاته وابتسامته وإلحاحه على والده بان يَعِدَهُ بشراء فرد (لعبة اطفال) وفجأة وإذا بذهني يشرد الى تلك الجلسة التي شاركت بها وكان محور الحديث هو انتشار اكثر من ثلاثمائة الف قطعة سلاح غير مرخصة يتداولها المواطنون في الدولة وأن اكثر من 90% من هذا السلاح القاتل اللعين بيد شباب عرب يتسابقون على اقتنائه وحفظه في بيوتهم ومزارعهم.
وتبادر لذهني هل من علاقة مباشرة وغير مباشرة بين تهديد هذا الطفل لوالده قبل الصلاة بأن يقتني له فردا وبين هذه الثقافة الجبانة التي يتوارثها أبناؤنا الا وهي الحصول على سلاح الجبن والعار بكل ثمن وبأي طريقة؟ ومن أيِّ عنوان كان؟
وهل الجنوح والميول الى مثل هذه الثقافة اللعينة في مثل هذا العمر الندي يمكن أن تترجم على ان هذه الثقافة قد تسربت الى كل بيت وبيت واخترقت كل حارة وحاره ولَم تنج منها حتى البيوت الهادئة والهانئه والمستقرة؟ وهل نجح تجار هذه الألعاب بجشعهم وطمعهم ان يوقعوا باكبر كم من الأطفال وجرهم الى هذا المعترك من ثقافة العنف والتهديد والابتزاز من اجل الحصول على بضع دراهم معدوده غير أبهين بما يدور من حولهم من جرائم وعنف واغتصاب وسرقة واعتداء على حرمة بيوت وموظفين او اعتداء فظ على الفضاء العام الذي هو ملك عام لا يجب ان يستحوذ عليه بلطجي او مبتور أصل وفصل قد استعمل القوة والسلاح والابتزاز والسطوة للوصول الى مبتغاه؟؟
اسئله كثيرة تزاحمت في ذهني وأخذت تراودني حول هذا التاجر الذي باع نفسه لعصابات الاجرام والارهاب من حيث يدري او لا يدري من خلال تغذية الفضاء العام في قرانا ومدننا بهذا المدد من التجارة البائرة وإغراء الأطفال بشراء هذه الفرود وهذه المفرقعات المزعجة لكل ما هو حسن في مجتمعنا، الذي تمر عليه ايّام صعبة ويتجرع مرارة نكبتيه التي أُنتكبها، نكبته الاولى من اعدائه منذ عام 1984 والتي ضاع من خلالها الوطن واغتصبت الارض وهجر اَهلها عنوة وقسرا، او نكبته الأخرى منذ عام 2000 والتي في نظري هي أشد وأنكى والتي ضربت قيم واخلاق وعادات وميراث وماضي وحاضر ومستقبل هذا المجتمع من قبل ابنائه أنفسهم واهله وذويه بتجزيئه وشرذمته وتقسيمه وتقطيعه إربا إربا، من خلال استعمال سلاح العار والانضمام الى ثقافة التسلّح والاحتراب التي تهز كل ركن من أركانه وتزعزع كل أصل من أصوله وتقضم كل ثابت من ثوابته.
الا يعلم هذا التاجر انه اصبح شريكا مباشرا في غرس ثقافة الاٍرهاب في مجتمعه والتي ما زالت تحصد الأرواح وتهدد وئام المجتمع لتحصد منذ عام 2000 أعدادا هائلة من الضحايا والمصابين من أبناء جلدته، حيث بلغ تعداد ضحايا هذا الاٍرهاب الجنائي في مجتمعنا العربي الى 1265 ضحية رجالا ونساءا وشيوخا وأطفالا والى اكثر من 6200 جريحا والى اكثر من 700 يتيما من غير أم وما يقارب 2500 يتيما من غير اب هذا ناهيك عن الخسائر المادية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والوطنية والانسانية التي تخلفها هذه الثقافة المستعارة.
من هذا المنطلق ومن اجل التخفيف من انتشار هذه الظواهر والثقافات السلبية انصح تجار السوء الذين يتعاملون في هذا الصنف من التجارة الخاسرة ان يكفوا عن هذه التجارة البائسة، وان أرادوا تعويضا عن ربحهم بالكف عن مثل هذا الصنف من التجارة ان يتوجهوا للجان الزكاة في قراهم ومدنهم ليقدموا لهم التعويض مقابل ابتعادهم عن هذه التجارة والالتحام بمجتمعهم ورفادته وعونه في تصحيح مساره وجبر انكساره وتضميد جراحه، لأن القاعدة الشرعية تنص “بان درء المفاسد مقدم على جلب المصالح”.

فيا أيها الاب الغيور على مجتمعه لا تضعف امام إلحاح طفلك وجشع تجار السوء في بلدك وحاور ولدك بالحسنى، إنّ مطلبه هذا لا يمكن الاستجابة له لأنه بذلك تكون أنت أيضا شريك لهذه الثقافة الغريبة الدخيلة الهجينة التي تسللت الى عقر بيوتنا، واحتلت عتبات حاراتنا، فضربت وحدتنا ومزقت شملنا وبددت لحمتنا في الوقت الذي نحن في أمس الحاجة الى هذه الوحدة وهذه الألفة وهذه اللحمة.